البلوت: لعبة حظ أم لعبة ذكاء؟

يدور هذا السؤال في عقل كل لاعب ومشاهد للعبة البلوت، فكثيرًا ما سمعنا الفائزين يشرحون ويفسرون ويوضحون كيف أن فوزهم لم يكن بسبب البطاقات التي حصلوا عليها، بل بسبب فهمهم العميق لقواعد البلوت وأساسيات البلوت، وطريقة لعب شركائهم، أو هذا ما يدّعونه على كل حال. لكن هل حقًا كان الفوز بسبب انتباههم إلى ما يلعبه الفريق الآخر، وتحليلهم للبطاقات، وفهمهم لشركائهم، أم أن فوزهم لا يتعدى “ضربة حظ” فقط؟

عندما نسأل الفائزين عن أسباب فوزهم، نجدهم يضعون ساقًا فوق الأخرى ويردون علينا نحن المبتدئين بعبارات مثل “لعبة البلوت لعبة مليئة بعمليات حسابية معقدة واحتمالات فلكية، فعلينا نحن المحترفين أخذ كل شيء بعين الاعتبار، من لحظة اختيار نوع اللعبة (صن، حكم، أشكل، بس) وحتى رمي آخر بطاقة على الطاولة. فعندما يأخذ اللاعب البطاقات الخمسة الأولى، عليه بسرعة أن يحدد أولًا عدد البطاقات الكبيرة (إكة، 10، شايب، بنت، ولد) وعدد البطاقات الصغيرة (8، 7). أما بالنسبة للبطاقات التي تحمل رقم 9، فهي حالة خاصة ويصعب عليّ شرحها لكم.”

حسنًا، سنعترف أن الموضوع قد يبدو معقدًا في البداية، لكنه لا يبدو مستحيلًا بعد بضعة لفات. لكن حالما يشك ذلك الفائز بأننا نريد قول هذا، يقفز من مكانه ويقول – من دون أن يطلب منه أحد التحدث: “لكن مهلًا! لم أشرح سوى القليل عن اللعبة، فبعد أن يرى اللاعب بطاقاته ويحفظها، عليه أن يقرر نوع اللعبة، فإن كانت بطاقات الإكة والعشرة والشايب أكثر من البقية، سيكون خياره واضحًا: صن. أما إذا كانت بحوزته بضعة بطاقات من فئة الولد والتسعة، فعليه أن يقرر ما إن كان من المفيد له أو لشريكه أن يختار حكم. لكن من أجل أن يتخذ هذا القرار، لا يمكنه الاعتماد على عدد البطاقات الكبيرة والصغيرة فقط، بل عليه النظر إلى نوع البطاقات (هاص، ديمن، شيريا، سبيت). فمثلًا، إن كانت البطاقة المكشوفة من نوع السبيت، فقد لا يكون من مصلحته أن يختار حكم إن لم يكن معه أي بطاقة من نوع السبيت، وحتى وإن كان في حوزته ولدين و3 تسعات.”

نعم، نعم، يبدو الأمر معقدًا جدًا، لكن ماذا عن المرات التي خسرت فيها أيها الفائز؟ هنا نجده اعتدل في جلسته ونطق بصوت يملؤه الوقار: “كل ابن آدم خطاء، لم أخسر تلك المرة إلا لأنني سهوت عن بطاقة ولم أدخلها في حساباتي.” لكن حالما يبدو متواضعًا، يغير الموضوع ويشرح لنا عن المشاريع: “مهلًا، لم نناقش سوى أحد الطرفين لجانب الذكاء، فالطرف الثاني يكمن في مشاريع لعبة البلوت. ومع أنها بسيطة، إلا أنه من السهل أن يغفل اللاعب عن الإفصاح عن المشروع الذي لديه. وهذا أصعب بالطبع عند لعب البلوت على أرض الواقع مقارنة بلعبها أونلاين أو على الموبيل. فمع أنها تعطي المزيد من النقاط وتحسّن فرص الفوز، إلا أنها قد لا تستحق المخاطرة في بعض الأحيان عندما تكون البطاقات صغيرة.”

وبعد أن يضجرنا هذا الفائز بحديثه عن دور الذكاء الأساسي في البلوت، نشيح بأوجهنا عنه إلى أن تلتقي أعيننا بعيني أحد الأشخاص الجالسين بصمت وتعلو وجهه ابتسامة ماكرة. هذا أحد الأشخاص الذين يخسرون أكثر مما يفوزون في البلوت، لكن الأمر المحيّر هو أنه لا يبدو متأثرًا بخساراته الكثيرة، بل على العكس، يبدو مستمتعًا في كل لعبة بلوت يلعبها. يقرأ أفكارنا، وبعد أن تعرضّ ابتسامته، يقول لنا: “مهما أطلنا الحديث عن ذكاء اللاعب ومهارته، لن يكون لذلك أي أهمية طالما أن الحظ ليس حليف اللاعب. هذه اللعبة هي حظ بحظ. مثلًا، ماذا يمكن لأذكى لاعب أن يفعل إن حصل على بطاقات تعيسة وسمع “صن” أو “حكم” من لاعب آخر؟ لا شيء! الحظ هو الذي يحكم هذه اللعبة ولا تقل لي ذكاءً أو مهارة.”

يبدو أن صديقنا هذا قد فقد أي أمل بالفوز بشكل طبيعي ولم يبقَ له سوى الحظ.

لكن بعيدًا عن مبالغة الطرفين، نجد أن الذكاء والحظ متشابكان في لعبة البلوت، فالحظ يكشف نفسه لنا أو يحجب نفسه عنّا في البداية عند توزيع الورق، لكنه يختفي بعدها. أما الذكاء، فعليه يقع الحمل الأكبر في الفوز أو الخسارة، ولا بد أن معظمنا قد شعر أحيانًا بتخلي الذكاء عنه في بعض الدورات. ومع أننا لا نستطيع التحكم بحظنا، إلا أن باستطاعتنا تحسين وتطوير ذكائنا من خلال الممارسة واللعب باستمرار.

Comments

Pin It on Pinterest